أبي بكر الكاشاني

112

بدائع الصنائع

على أن اعتكف شهر النهار دون الليل يلزمه كما التزم وهو اعتكاف شهر بالأيام دون الليالي لأنه لما قال النهار دون الليل فقد لغا ذكر الشهر بنص كلامه كمن قال رأيت فرسا أبلق للبياض منه دون السواد وكان هو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق لأنه تلفظ بالنهار والأصل فيه ان كل اعتكاف وجب في الأيام دون الليالي فصاحبه فيه بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق وكل اعتكاف وجب في الأيام والليالي جميعا يلزمه اعتكاف شهر يصومه متتابعا ولو أوجب على نفسه اعتكاف شهر بعينه بان قال لله على أن اعتكف رجب يلزمه ان يعتكف فيه يصومه متتابعا وان أفطر يوما أو يومين فعليه قضاء ذلك ولا يلزمه قضا ما صح اعتكافه فيه كما إذا أوجب على نفسه صوم رجب على ما ذكرنا في كتاب الصوم فإن لم يعتكف في رجب حتى مضى يلزمه اعتكاف شهر يصومه متتابعا لأنه لما مضى رجب من غير اعتكاف صار في ذمته اعتكاف شهر بغير عينه فيلزمه مراعاة صفة التتابع فيه كما إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر بغير عينه ابتداء بان قال لله على أن اعتكف شهرا ولو أوجب اعتكاف شهر بعينه فاعتكف شهرا قبله عن نذره بان قال لله على أن أعتكف رجبا فاعتكف شهر ربيع الآخر أجزأه عن نذره عند أبي يوسف وعند محمد رحمهما الله تعالى لا يجزئه وهو على الاختلاف في النذر بالصوم في شهر معين فصام قبله ونذكر المسألة في كتاب النذر إن شاء الله تعالى ولو قال لله على أن اعتكف شهر رمضان يصح نذره ويلزمه ان يعتكف في شهر رمضان كله لوجود الالتزام بالنذر فان صام رمضان واعتكف فيه خرج عن عهدة النذر لوجود شرط صحة الاعتكاف وهو الصوم وان لم يكن لزومه بالتزامه الاعتكاف لان ذلك ليس بشرط إنما الشرط وجوده معه كمن لزمه أداء الظهر وهو محدث يلزمه الطهارة ولو دخل وقت الظهر وهو على الطهارة يصح أداء الظهر بها لان الشرط هو الطهارة وقد وجدت كذا هذا ولو صام رمضان كله ولم يعتكف يلزمه قضاء الاعتكاف بصوم آخر في شهر آخر متتابعا كذا ذكر محمد في الجامع وروى عن أبي يوسف انه لا يلزمه الاعتكاف بل يسقط نذره وجه قوله إن نذره انعقد غير موجب للصوم وقد تعذر ابقاؤه كما أنعقد فتسقط لعدم الفائدة في البقاء وجه قول محمد رحمه الله تعالى أن النذر بالاعتكاف في رمضان قد صح ووجب عليه الاعتكاف فيه فإذا لم يؤد بقي واجبا عليه كما إذا نذر بالاعتكاف في شهر آخر بعينه فلم يؤده حتى مضى الشهر وإذا بقي واجبا عليه ولا يبقى واجبا عليه الا بوجوب شرط صحة أدائه وهو الصوم فيبقى واجبا عليه بشرطه وهو الصوم واما قوله إن نذره ما انعقد موجبا للصوم في رمضان فنعم لكن جاز أن يبقى موجبا للصوم في غير رمضان وهذا لان وجوب الصوم لضرورة التمكن من الأداء ولا يتمكن من الأداء في غيره الا بالصوم فيجب عليه الصوم ويلزمه متتابعا لأنه لزمه الاعتكاف في شهر بعينه وقد فاته فيقضيه متتابعا كما إذا أوجب اعتكاف رجب فلم يعتكف فيه انه يقضيه في شهر آخر متتابعا كذا هذا ولو يصم رمضان ولم يعتكف فيه فعليه اعتكاف شهر متتابعا بصوم وقضاء رمضان فان قضى صوم الشهر متتابعا وقرن به الاعتكاف جاز ويسقط عنه قضاء رمضان وخرج عن عهدة النذر لأن الصوم الذي وجب فيه الاعتكاف باق فيقضيهما جميعا يصوم شهرا متتابعا وهذا لان ذلك الصوم لما كان باقيا لا يستدعى وجوب الاعتكاف فيها صوما آخر فبقي واجب الأداء بعين ذلك الصوم كما أنعقد ولو صام ولم يعتكف حتى دخل رمضان القابل فاعتكف قاضيا لما فاته بصوم هذا الشهر لم يصح لما ذكرنا ان بقاء وجوب الاعتكاف يستدعى وجوب صوم يصير شرطا لأدائه فوجب في ذمته صوم على حدة وما وجب في الذمة من الصوم لا يتأدى بصوم الشهر ولو نذر ان يعتكف يومى العيد وأيام التشريق فهو على الروايتين اللتين ذكرناهما في الصوم ان على رواية محمد عن أبي حنيفة يصح نذره لكن يقال له اقض في يوم آخر ويكفر اليمين إن كان أراد به اليمين وان اعتكف فيها جاز وخرج عن عهدة النذر وكان مسيئا وعلى رواية أبى يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة لا يصح نذره بالاعتكاف فيها أصلا كما لا يصح نذره بالصوم فيها وإنما كان كذلك لأن الصوم من لوازم الاعتكاف الواجب فكان الجواب في الاعتكاف كالجواب في الصوم والله أعلم وأما الذي يرجع إلى المعتكف فيه فالمسجد وانه شرط في